محمد جمال الدين القاسمي

387

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

( العفو ) ب ( أو ) مع دخوله في الخير بقسميه ، للاعتداد به ، والتنبيه على منزلته ، وكونه من الخير بمكان مرتفع . وليس المراد أنه حينئذ هو المقصود وأنه من قبيل : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ [ البقرة : 98 ] . لأن مثله يعطف بالواو لا ب ( أو ) ولذا حمل الخير على الطاعة والبر مما هو عبادة وقربة فعلية . لتغاير العفو . فالمراد بالتوطئة ذكر ما هو مناسب وقدم عليه . كذا في ( العناية ) . قال ابن كثير . ورد في الأثر : أن حملة العرش يسبحون اللّه . فيقول بعضهم : سبحانك على حلمك بعد علمك . ويقول بعضهم : سبحانك على عفوك بعد قدرتك . و في الحديث الصحيح « 1 » : ما نقصت صدقة من مال . وما زاد اللّه عبدا يعفو إلا عزّا . وما تواضع أحد للّه إلا رفعه اللّه . وقال الرازيّ : اعلم أن معاقد الخير على كثرتها محصورة في أمرين : صدق مع الحق وخلق مع الخلق والذي يتعلق مع الخلق محصور في قسمين : إيصال نفع إليهم . ودفع ضرر عنهم . فقوله : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ إشارة إلى إيصال النفع إليهم . وقوله أَوْ تَعْفُوا إشارة إلى دفع الضرر عنهم . فدخل في هاتين الكلمتين جميع أنواع الخير وأعمال البر . ثم نزل في اليهود إلى أواخر السورة قوله تعالى : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 150 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ قال ابن عباس : يعني كعبا وأصحابه وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ أي في الإيمان وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ من الرسل وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ منهم . كما قالوا : نؤمن بموسى والتوراة ، ونكفر بما وراء ذلك . وما ذاك إلا كفر باللّه تعالى ورسله ، وتفريق بين اللّه تعالى ورسله في الإيمان . لأنه تعالى قد أمرهم بالإيمان بكل نبيّ يأتي مصدقا لما معهم ، ونصره . ومن كفر بواحد منهم فقد كفر بالكل ، وباللّه تعالى من حيث لا يحتسب . لأنهم لما تساووا

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : البر والصلة والآداب ، حديث 69 .